أحمد بن علي القلقشندي
68
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
عندهم ما تنطوي عليه لعموم المسلمين جميل نيّتنا ، وبيّنا لهم أنّا من اللَّه تعالى على بصيرة ، وأنّ الإسلام يجبّ ( 1 ) ما قبله ، وأنه تعالى ألقى في قلوبنا أن نتّبع الحقّ وأهله ، ونشاهد أنّ عظيم نعمة اللَّه للكافّة بما دعانا إليه من تقديم أسباب الإحسان ، أن لا يحرموها بالنظر إلى سائر الأحوال فكلّ يوم هو في شان ، فإن تطلَّعت نفوسهم إلى دليل تستحكم بسببه دواعي الاعتماد ، وحجّة يثقون بها من بلوغ المراد ، فلينظروا إلى ما ظهر من أمرنا مما اشتهر خبره ، وعمّ أثره ، فإنا ابتدأنا بتوفيق اللَّه بإعلاء أعلام الدّين وإظهاره ، في إيراه كلّ أمر وإصداره ، تقديما لناموس الشرع المحمديّ ، على مقتضى قانون العدل الاحمديّ ، إجلالا وتعظيما ، وأدخلنا السرور ، على قلوب الجمهور ، وعفونا عن كل من اجترح سيّئة واقترف ، وقابلناه بالصّفح وقلنا عفا اللَّه عمّا سلف ، وتقدّمنا بإصلاح أمور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس ، وعمارة بقاع الدّين والرّبط الدّوارس ، وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القائمة إلى مستحقّيها بشروط واقفيها ، ومنعنا أن يلتمس شيء مما استحدث عليها ، وأن لا يغيّر أحد شيئا مما قرّر أوّلا ، وأمرنا بتعظيم أمر الحجّاج وتجهيز وفدها ، وتأمين سبلها ، وتسيير قوافلها ، وإنا أطلقنا سبيل التّجار المتردّدين إلى تلك البلاد ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم ، وحرّمنا على العساكر والقراغولات ( 2 ) والشّحاني في الأطراف التّعرّض لهم في مصادرهم ومواردهم ، وقد كان قراغول صادف جاسوسا في زيّ الفقراء كان سبيله أن يهلك ، فلم نهرق دمه لحرمة ما حرّمه اللَّه تعالى وأعدناه إليهم . ولا يخفى عنهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العامّ للمسلمين ، فإنّ عساكرنا طالما رأوهم في زيّ الفقراء والنّسّاك وأهل الصّلاح ، فساءت ظنونهم في تلك الطوائف ، فقتلوا منهم من قتلوا ، وفعلوا بهم ما فعلوا ، وارتفعت الحاجة
--> ( 1 ) الحديث هو : « إن الإسلام يجبّ ما قبله والتوبة تجبّ ما قبلها » . أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب . لسان العرب ( جبب ) . ( 2 ) القراغولات : ج قراغول ، وهو حافظ الطريق عند التتر ، وعربيّتها الخفير . والعامة تقول : « كركون » . المنجد في اللغة والأدب ( قرغ ) .